
سواء نفّذ الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، تهديداته باستهداف منشآت الطاقة في إيران، أو مضى في قراره تأجيل هذه الضربات إفساحاً في المجال أمام عملية تفاوضية قال إنه اتّفق عليها مع الجانب الإيراني، فإن ذلك لا يغيّر حقيقة أساسية مفادها أن الحرب دخلت مرحلة مختلفة يصعب الخروج منها بالأدوات التي بدأت بها، إذ لم تعُد معادلة الحرب مرتبطة بمَن يملك القوة العسكرية فحسب، بل أيضاً بمَن يملك القدرة على التحكّم بكلفة الصراع الاقتصادية والسياسية.
ويتمثّل أبرز هذه التحوّلات في الانتقال من الحرب العسكرية المباشرة إلى حرب الطاقة والبنية التحتية المدنية، أو على أقلّ تقدير التهويل بها. فالتهديد باستهداف منشآت الكهرباء والنفط والغاز قابلَه تهديدٌ إيراني مباشر باستهداف منشآت مماثلة في الخليج، ما يعني أن المواجهة تنسحب إلى قلب الاقتصاد العالمي. وفي مثل هذا التحوّل، تكمن تهديدات هائلة، لكن في الوقت نفسه توجد فرصة للخروج؛ وهذه واحدة من أهمّ مفارقات تهديدات ترامب وتراجعه عنها، وإن مؤقّتاً.
وحتى قبل إعلان الرئيس الأميركي تراجعه، كان الاستنتاج الأول والأكثر ترجيحاً هو أن التهديد باستهداف منشآت الطاقة الإيرانية لا يعكس قوة الطرف الذي يهدّد بذلك فحسب، بقدر ما يكشف حدود اقتداره؛ إذ إنه يؤكد أن الخيارات العسكرية الأميركية المباشرة لم تنتج حلاً حاسماً، فضلاً عن أنه يمثّل إقراراً نسبياً بالعجز العسكري. وهكذا، يكون الإيراني قد نجح في تغيير مسار الحرب ووجهتها بعد إغلاقه مضيق هرمز، وحوّل هذا الأخير إلى عقدة استراتيجية للجانب الأميركي، يصعب حسمها بالقوة وحدها. لا بل تحوّلت هذه العقدة إلى ما يشبه هدف الحرب الأول أميركياً، بعد أن تراجعت الأهداف الأخرى التي ثبت أنها غير قابلة للتحقيق، ومن بينها تغيير النظام الإيراني.
على أن المشكلة بالنسبة إلى ترامب لم تعُد فقط في كيفية فتح مضيق هرمز، بل في تحوّل هذا الأخير إلى جزء من سردية الانتصار نفسها، أو في حدّ أدنى، مقدّمة ضرورية لإتمام هذه السردية، التي لا يمكن تسويقها داخلياً وخارجياً، من دون فتح المضيق. ومن هنا، تُفهم تهديدات ترامب الأخيرة، التي بدت كمقامرة محسوبة، كأداة ضغط لتعويض محدودية الخيارات العسكرية - التي ثبت فشلها في دفع إيران إلى الاستسلام - ولفتح مسار تفاوضي بشروط أفضل. والأمر نفسه ينسحب على التراجع عن التهديد، والذي لا يمكن عدّه تراجعاً كاملاً ونهائياً عن منطق القوة، بقدر ما يمثّل أداة تفاوضية في مرحلة شديدة الحساسية. لكن هنا أيضاً، قد يكون ترامب مخطئاً، خصوصاً أن الإيرانيين أدركوا أن خشيته مما سيسبّبه ضرب منشآت الطاقة من خسائر - ولا سيما في الداخل الأميركي -، هي التي دفعته إلى التراجع عن التهديد والإعلان عن مسار تفاوضي.
واشنطن لا تختبر فقط قدرتها على كسر إيران، بل صدقية حالة الردع الخاصة بها أمام الإقليم والعالم
ولعل واحدةً من أبرز الدلالات في هذا السياق، هي بطلان فكرة الاستقلال عن نفط الشرق الأوسط، وتراجع أهمية مضيق هرمز في ترتيب الأولويات الاستراتيجية للولايات المتحدة، إذ سرعان ما اتّضحت هشاشة ذلك الافتراض، بعدما أدّى إغلاق المضيق إلى ارتفاع حادّ في أسعار النفط وضغوط مباشرة على الاقتصاد الأميركي، على الرغم من كون الولايات المتحدة مُنتِجاً كبيراً للطاقة. ويعيد ما تقدّم التأكيد أن سوق الطاقة عالمية بطبيعتها، وأن أي اختناق في أحد شرايينها يصيب الجميع من دون استثناء.
على أن المسألة لا تقتصر على ما تقدّم؛ إذ تحوّل الصراع على «هرمز» إلى صراع على الهيبة والمصداقية. فالولايات المتحدة لا تختبر قدرتها على كسر إيران فقط، بل وأيضاً صدقية حالة الردع الخاصة بها أمام الإقليم والعالم، فيما ترى الجمهورية الإسلامية في المعركة الحالية معركة وجودية لا تحتمل التراجع. ويعني ذلك أن أي تنازل سيُقرأ خسارة استراتيجية تمسّ المكانة والشرعية وصورة الردع. وعليه، وإذ بدا واضحاً، إلى ما قبل حديث ترامب أمس، أن الجانبَين معنيّان بالامتناع عن التراجع، حتى التكتيكي، فإن التراجع القسري من جانب ترامب يُفسَّر بأنه لا بدائل لديه.
في المحصّلة، تعكس مجريات المعركة إلى الآن، مأزقاً استراتيجياً متكاملاً؛ إذ سيكون على ترامب انتزاع انتصار من خلال المسار التفاوضي لم يستطع انتزاعه منهم في الميدان، فيما سيكون الإيرانيون معنيّين، في المقابل، بفرض مطالب لن يكون بإمكان الرئيس الأميركي تلبيتها بسهولة. وإذ تحوّلت الحرب التي بدأت بأهداف واضحة نسبياً، إلى حرب استنزاف ومراوحة، ومن ثمّ صراع على الطاقة، مع اختبار للهيبة، فإن المعضلة الآن بالنسبة إلى الطرف البادئ، هي كيفية التراجع من دون أن يبدو مهزوماً، وهذا هو ما يؤرّق ترامب حالياً.